Friday, November 23, 2012

مكة "مانهاتن"!!


هناء الخمري - الجزيرة توك - جدة كان العرب في "الجاهلية" ـ ولاحظ أقول "الجاهلية" وليس عصر الإسلام ـ لايقبلون بأن تعلو بيوتهم عن سقف الكعبة المشرفة التي بناها إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل.العرب في ديانتهم الوثنية تلك كانوا يحترمون بيت الله العتيق ويقدسونه مظهراً ومخبراً وفق عقيدتهم حينها لذلك كانت كل البيوت خاصة القريبة من الكعبة في ذلك العصر سقفها أقل من سقف الكعبة.
هذه المعلومة التاريخية التي حفظتها من ذاكرة الصفوف المدرسية تستدعي المقارنة بينها وبين وضع الحرمين الشريفين الآن أمام جمع من الفنادق الضخمة التي تعلو وتعلو وبل تعلو قدر ما تشاء عن سقف الكعبة وبل تتجاوز مآذن الحرم أحياناً أخرى.ناطحات السحاب هذه التي خرجت من الأرض على حساب هدم الآثار الإسلامية والذي لا يزال يمثل جدلية قائمة بين المؤرخين والمهتمين بالأثار وبين الشيوخ والأئمة السعوديين الذين يرون بأهمية طمسها من باب درء المفاسد والفتن!!



لكن رغم كل سيل التبريرات الشرعية لا تنفك تشعر تجاه هذه المباني التي تلاصق الحرم المكي بأنه لم يتبقى إلا القليل وتكاد تدخل للحرم، ومن ثم ينتابك شعور بأنها تكاد تُفقد قدسية المكان وهيبته بتحرش مدنية "العالم الثالث "الذي أحاطت به ـ على حدّ وصف لاذع لأحد الكُتاب للوضع الذي يحدث في مكةـ ،والذي مسخ عنها كل أشكال العمارة التاريخية والإسلامية بكافة الحقب الخلافية منذ الدول العباسية وحتى العثمانية التي صبغت عليها.

تستمر هذه التجارة التي يقودها لوبي من رجال الأعمال ويتسابقون للحصول على عقود الأراضي القريبة من الحرم لأنهم يستثمرون الطاعات وعبادات المسلمين بدغدغتهم تحت مسمى "عمرة أو حج بإطلالة مباشرة على الحرم المكي" هكذا تتحدث اللغة الإعلانية تسويقاً لتجارتهم ،لتكون بأسعار خيالية وضخمة بلغت في إحدى أكبر فنادق الخمس نجوم الذي لا يبعد أي مسافة عن الحرم مشياً على الأقدام 49 ريال سعودي في الليلة الواحدة للغرفة الواحدة،أما الفنادق الأخرى في العشر الأواخر تنضم لسوق رفع الأسعار حيث تصل في الليلة الواحدة كذلك أسعار بعضها 28 ألف ريال في العشر الأواخر من رمضان وذلك وفقاً للصحف السعودية ،والأمر ذاته مع فنادق المدينة المنورة ،وهو ماجعل أن يطلق المعماري والمنتصر الكبير للتراث الإسلامي والمهموم بالتراث والتاريخ بمكة والمدينة الدكتور سامي عنقاوي على وضع مكة الآن في لقاءاته الثقافية في منزله تعبير " مكة مانهاتن " تشبيهاً لناطحات السحاب التي اخترقت سماء المدينة المقدسة بجملة المباني الأمريكية التي تم استنساخها داخل أقدس البقاع.



الدكتور عنقاوي يعتبر من أكبر المنتقدين للتطوير العمراني والتوسعات التي التهمت وجه التراث والأماكن الدينية التي شهدت أحداث التاريخ الإسلامي ومعاركها وبيوت زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم وبعض أقدم المساجد الإسلامية التي طمرت تحت تلك الفنادق والمباني التجارية وغيرها هذا عدى مايتم تداوله بأن بعض بيت رسول الله وزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها وبعض أصحابه في مكة تحولت إلى حمامات !! يحدث كل ذلك تحت مظلة دعم ديني يقول أصحابه أن من الأفضل حدوث ذلك حتى لا يتبرك الناس بالصحابة وبأماكنهم ويتخذون منها مزاراً للعبادة ويدخلون على أثرها في الشرك الأكبر.لنعاود ونتذكر أن من علامات يوم القيامة أن يُخرج من مكة كل المنافقين ثم نتنهد لواقع لا يملك الفصل فيه لأنه يزع بالمال ما لا يزع بأي شيء آخر وهي سلطة تجعل العاقل حيراناً من سطوتها وممارساتها.



الآن أصبحت ذاكرة كبار السن تملك مساحة لتحكي عن مكة "أيام زمان" الذي لم أعرف حيث كان الآباء والأسر لا يفصلهم عن أقدس البقاع سوى الدقائق مشياً ويبلغونها.. هذا كله قبل أن تدخل مكة الآن ويبعد عنك الحرم المكي أمتاراً معدودة وما زالت عيناك لم تبلغه ومازلت لا تستطع أن تراه من مسافتك لتردد دعاء معاينة البيت (اللهم زد بيتك هذا تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة ورفعة و براً وزد يارب من كرمه وشرفه وعظمه تشريفاً وتعظيماً ومهابة ورفعة وبراً ) وتشعر أنك وصلت بوابة الحرم وتضطر حينها لتقول دعاء دخول المسجد وتلغي الدعاء الأول لأنك قبل أن تعاين البيت.. سطوة تلك المباني حجبتها عنك فلم تبلغها!!.

يبقى أن نقول أنه حتى الأدباء السعوديين أبدوا حزناً واهتماماً بتلك الذاكرة التاريخية العظيمة التي كانوا جزء من معالمها فأطلق عبدالله التعزي يحكي عنها في روايته (الحفائر تتنفس ) والذي يرسم فيها ملامح أحياء ومناطق مكة الشعبية والتاريخية التي قال سامي عنقاوي في حديث سابق له في (الإندبندنت) البريطانية في تغطيتها عن واقع إزالة التراث الإسلامي للحرمين الشريفين (لقد أضحى الوداع النهائي لمكة وشيكاً) ."

No comments:

Post a Comment